هل تمهّد سوريَة لإدماج الأمن السيبراني في جامعاتها؟

في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية عالميًا، وتتصاعد فيه الهجمات السيبرانية التي تستهدف الحكومات والمؤسسات التعليمية على حد سواء، برز لقاء لافت في سوريَة جمع معالي وزير التعليم العالي والبحث العلمي السوري، مروان الحلبي، مع وفد من شركة Control Risks البريطانية المتخصصة في إدارة المخاطر العالمية.
اللقاء الذي عُقد،حديثًا، في مبنى الوزارة تناول إمكانيات التعاون في مجالات الأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، وناقش إدماج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ضمن المناهج الجامعية، إضافة إلى دعم الوزارة في مواجهة الهجمات الإلكترونية وحماية الملفات.
الوفد البريطاني ضم عمر صوفاناتي، مدير قسم التحليل الجنائي للجرائم الإلكترونية في الشرق الأوسط بالشركة، إلى جانب فيكتور تريكود مدير قسم المخاطر العالمية، ما يعكس طابعًا تقنيًا واستشاريًا متخصصًا للنقاشات التي جرت.
لماذا يكتسب اللقاء أهمية تقنية؟
بعيدًا عن الصيغة البروتوكولية للأخبار الرسمية، يمكن قراءة هذا اللقاء في سياق أوسع يتعلق بثلاثة محاور رئيسية:
1.تصاعد التهديدات السيبرانية عالميًا
المؤسسات التعليمية حول العالم أصبحت هدفًا متكررًا لهجمات الفدية وتسريب البيانات، نظرًا لاحتفاظها بكميات كبيرة من المعلومات الحساسة للطلاب والكوادر الأكاديمية.
والجامعات تحديدًا تُعد بيئة معقدة من الناحية الأمنية بسبب تنوع أنظمتها وانفتاحها البحثي.
2.نقص الكفاءات المتخصصة في الأمن السيبراني
تقارير دولية متخصصة تشير باستمرار إلى فجوة في أعداد المتخصصين بالأمن السيبراني مقارنة بحجم الطلب المتنامي في سوق العمل، مما يدفع الحكومات إلى التفكير بإدماج هذا التخصص ضمن التعليم الجامعي المبكر بدل الاكتفاء بالدورات المهنية اللاحقة.
3.تسارع دمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الدفاعية الرقمية
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تحليل بيانات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في أنظمة كشف التهديدات والاستجابة للحوادث (Threat Detection & Incident Response)، عبر تحليل الأنماط السلوكية واكتشاف الشذوذ في الشبكات.
من هي شركة Control Risks؟
تُعد Control Risks شركة استشارات بريطانية عالمية متخصصة في إدارة المخاطر الاستراتيجية والأمنية، بما في ذلك الأمن السيبراني، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، والتحقيقات الرقمية.
وتعمل الشركة مع مؤسسات دولية وحكومات وشركات كبرى لتقديم تحليلات استخباراتية وتقييمات مخاطر وحلول وقائية.
نشاط الشركة في مجال الجرائم الإلكترونية يشمل التحليل الجنائي الرقمي، والاستجابة لحوادث الاختراق، وتقييم الثغرات الأمنية، وبناء إستراتيجيات الحماية المؤسسية.
وبناء على ذلك فإن حضور مدير التحليل الجنائي للجرائم الإلكترونية في الشرق الأوسط ضمن الوفد يشير إلى أن النقاش لم يكن نظريًا بحتًا، بل يحمل بعدًا تقنيًا تطبيقيًا.
إدماج الأمن السيبراني في المناهج: خطوة إستراتيجية
من أبرز النقاط التي تناولها اللقاء إمكانية دمج الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني ضمن المناهج الجامعية، وهذه الخطوة – إذا تحققت – قد تعني:
•تطوير مساقات جامعية متخصصة في الأمن السيبراني.
•إدخال مقررات تتناول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
•إنشاء مختبرات محاكاة للهجمات السيبرانية.
•تدريب الكوادر التدريسية على أحدث تقنيات الحماية الرقمية.
الجامعات عالميًا باتت تتجه إلى إنشاء “مراكز تميز” في الأمن السيبراني، تربط بين البحث العلمي والاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
وفي حال تم تطوير تعاون فعلي مع جهة استشارية دولية، فقد ينعكس ذلك على مستوى المعايير التقنية المعتمدة في تصميم البرامج الأكاديمية.
حماية البنية الرقمية للوزارة: أولوية ملحة
الشق الآخر من النقاش تركز حول دعم احتياجات الوزارة في مواجهة الهجمات الإلكترونية وحماية الملفات. وهذا البند يسلّط الضوء على نقطة حساسة تتعلق بالبنية الرقمية للمؤسسات الحكومية، خصوصًا مع توسع استخدام الأنظمة المؤتمتة، وقواعد البيانات المركزية، ومنصات التسجيل الإلكتروني.
حماية هذه الأنظمة تتطلب:
•تقييمًا دوريًا للثغرات (Vulnerability Assessment)
•اختبارات اختراق (Penetration Testing)
•أنظمة نسخ احتياطي مشفّرة
•خطط استجابة سريعة للحوادث
وأي تعاون في هذا المجال سيكون ذا طابع تقني بحت، ويتطلب نقل معرفة (Knowledge Transfer) وليس فقط تقديم استشارات ظرفية.
ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك لسوق التقنية المحلي؟
في حال تُرجم هذا اللقاء إلى برامج تنفيذية، فقد تظهر آثار مباشرة وغير مباشرة، منها:
•زيادة الطلب على متخصصي الأمن السيبراني محليًا.
•تحفيز شركات تقنية ناشئة للعمل في مجال الحماية الرقمية.
•رفع معايير الأمن في المؤسسات الأكاديمية.
•فتح باب الشراكات البحثية الدولية في مجالات الجرائم الإلكترونية.
كما أن إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج قد يخلق جيلًا من المهندسين والباحثين القادرين على تطوير أدوات حماية محلية بدل الاعتماد الكامل على حلول خارجية.
بين التصريحات والتنفيذ
حتى الآن، يندرج اللقاء ضمن إطار “بحث التعاون” ولم يُعلن عن توقيع اتفاقيات تنفيذية محددة أو إطلاق برامج مشتركة. لذلك فإن تقييم أثره الفعلي يتوقف على الخطوات اللاحقة، مثل:
•توقيع مذكرات تفاهم رسمية.
•إطلاق برامج تدريب محددة بجدول زمني.
•الإعلان عن مناهج أو مساقات جديدة معتمدة.
لكن مجرد طرح موضوع دمج الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي ضمن التعليم العالي يعكس إدراكًا رسميًا لأهمية التحول الرقمي وحساسية الأمن المعلوماتي في المرحلة الراهنة.
اللقاء بين وزارة التعليم العالي السورية ووفد شركة Control Risks يمثل مؤشرًا على اهتمام متزايد بالأمن السيبراني على المستوى الأكاديمي والمؤسسي. ورغم أن التفاصيل التنفيذية لم تُعلن بعد، فإن التركيز على إدماج الذكاء الاصطناعي في المناهج، وتعزيز قدرات الحماية الرقمية، يتماشى مع الاتجاهات العالمية في تطوير التعليم التقني.
ويبقى التحدي الحقيقي في الانتقال من مستوى النقاش إلى مستوى التنفيذ، حيث تُقاس جدية التحولات الرقمية بقدرتها على إنتاج كوادر مؤهلة وبناء بنية تحتية آمنة ومستدامة.
نسخ الرابط
تم نسخ الرابط
