سياسة

عشرون عاماً من الصمت أمام واحدة من أبشع جرائم الأمريكان في العراق- عاجل


+A
-A

بغداد أوبزرفر – بغداد

بعد عشرين عاماً على واحدة من أبشع الجرائم التي ارتُكبت خلال الاحتلال الأمريكي للعراق، عادت “مجزرة حديثة” إلى الواجهة مجدداً، ليس فقط كذكرى دامية في الذاكرة العراقية، بل كملف دولي أعادت وسائل إعلام عالمية فتحه خلال الأيام الماضية، بعد ظهور أدلة جديدة تشير إلى تورط عناصر من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في قتل مدنيين عراقيين لم تطلهم أي محاسبة قضائية طوال عقدين.

في تقرير استقصائي بثّته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، ظهرت معلومات حديثة تُعيد إحياء القضية التي تعود إلى تشرين الثاني 2005، حين قُتل 24 مدنياً عراقياً بينهم أطفال ونساء داخل منازلهم في مدينة حديثة بمحافظة الأنبار. التقرير، الذي نُشر قبل أيام، كشف عن شهادات ووثائق تُظهر أن اثنين من عناصر المارينز تورّطا في عمليات القتل المباشر، لكن التحقيقات الأمريكية لم تكتمل، وتم إغلاق الملف دون تحميلهما أي مسؤولية قانونية.

وتعد مجزرة حديثة من أطول قضايا جرائم الحرب المحالة للتحقيق في التاريخ العسكري الأمريكي، إذ تمتد سلسلة التحقيقات فيها بين 2005 و2012، لكنها انتهت عملياً دون إصدار أحكام حقيقية، بعد إسقاط معظم التهم والاكتفاء بإدانة جندي واحد بتهمة “الإهمال في أداء الواجب”، وهي تهمة لا ترتقي إلى حجم الجريمة المرتكبة.

  

تجدد الاهتمام بالقضية جاء بعد نشر “بي بي سي” وثائق قالت إنها “دليل محتمل على فشل النظام القضائي العسكري الأمريكي في التعامل مع جرائم الحرب”، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بإعادة فتح التحقيق، خصوصاً أن الجريمة شملت قتل مدنيين داخل بيوتهم بدم بارد، وفق وصف التقارير الدولية.

وبالتزامن مع نشر التقرير، تداولت عدة وسائل إعلام عالمية من بينها “Arab News” و”Democracy Now” تحليلات موسعة حول القضية، معتبرة أن “مجزرة حديثة” ما زالت نقطة سوداء في سجل التدخل الأمريكي في العراق، وأن الأدلة التي ظهرت قد تُحرج الإدارة الأمريكية الحالية وتدفعها للبحث عن مخرج قانوني أو إعادة تقييم ملف المحاسبة.

في صباح 19 تشرين الثاني 2005، انفجرت عبوة ناسفة استهدفت دورية أمريكية، أسفر الانفجار عن مقتل جندي وإصابة آخرين. وبعد دقائق، ردّت قوات المارينز بعملية انتقامية داخل أحياء حديثة، حيث اقتحمت منازل سكنية وأطلقت النار على عائلات بأكملها. ومن بين الضحايا:

-أطفال دون سن العاشرة
-نساء وكبار سن
-شبان لم يحملوا أسلحة ولم يشاركوا في أي نشاط عسكري

هذه التفاصيل وثقتها تقارير الأمم المتحدة، والصليب الأحمر الدولي، ومنظمات حقوقية، لكنها لم تلق طريقها إلى المحاكم الأمريكية بطريقة عادلة أو كاملة.

 

يشير تحقيق “بي بي سي” الجديد إلى أن أدلة حاسمة، من بينها صور وشهادات جنود، لم تُقدَّم للمحكمة العسكرية في حينها، أو تم تجاهلها بحجّة “عدم كفاية الأدلة”. ويقول خبراء قانونيون إن ما ظهر حديثاً قد يحرّك المسار القضائي مجدداً، خصوصاً أن القوانين الدولية لا تسقط جرائم الحرب بالتقادم.

بالنسبة لعدد من الناجين وأقارب الضحايا، فإن إعادة فتح الحديث عن المجزرة تمثل “فرصة أخيرة لرد الاعتبار”، بعد سنوات من الإهمال الدولي للملف. وتؤكد مصادر محلية من الأنبار أن الأهالي ما زالوا يحتفظون بصور ووثائق تخص ضحايا المجزرة، ويعتبرون إعادة تداول القضية “انتصاراً معنوياً ولو متأخراً”.

ورغم هول الجريمة واتساع صداها الدولي، لم تُفضِ محاولات المحاسبة إلى أي نتيجة تُذكر؛ إذ لم تمارس الحكومات العراقية المتعاقبة خلال السنوات الماضية أي تحرك قانوني جاد لملاحقة المسؤولين عن المجزرة، فيما اكتفت الولايات المتحدة بتحقيقات داخلية انتهت عملياً دون إدانة حقيقية، بعد إسقاط معظم التهم والاكتفاء بإجراءات شكلية لا ترقى إلى مستوى ما حدث. هذا الغياب شبه الكامل للمساءلة، عراقياً وأمريكياً، جعل من مجزرة حديثة مثالاً صارخاً على العدالة الناقصة في زمن الحروب، وعلى الفجوة الواسعة بين الألم الذي خلّفته والعدالة التي لم تصل بعد.

المصدر: قسم الرصد والمتابعة في بغداد أوبزرفر