تكنولوجيا

مشاركة سوريَة في القمة العالمية لمكافحة الاحتيال.. المغزى والأهمية

مع اختتام أعمال القمة العالمية لمكافحة الاحتيال (Global Fraud Summit) لعام 2026 في العاصمة النمساوية فيينا، برزت مشاركة الجمهورية العربية السورية للمرة الأولى كخطوة إستراتيجية لتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الجرائم المالية وأساليب الاحتيال الحديثة.

والقمة التي استمرت يومين، شهدت مشاركة أكثر من 55 دولة، إلى جانب خبراء دوليين في المجالات المالية، والقانونية، والتحول الرقمي، مما جعل الأمن المالي الرقمي محورًا رئيسيًا للنقاشات.

وتأتي هذه المشاركة لتضع سوريَة في موقع الشريك الفاعل دوليًا، وتسهم في تعزيز قدراتها الوطنية في مواجهة التحديات الرقمية في القطاع المالي، بما يتوافق مع المعايير الدولية ويعزز من حماية الأنظمة المالية والمواطنين على حد سواء.
خلفية القمة وأهدافها
تركزت فعاليات القمة العالمية لمكافحة الاحتيال على تعزيز التعاون الدولي لتبادل الخبرات والممارسات الفضلى بين الدول والمؤسسات المالية لمكافحة الاحتيال المالي، وهي أحد أهم الأحداث العالمية التي تهدف إلى:

تطوير القدرات الوطنية للمؤسسات المالية بما يتوافق مع أفضل المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال والجرائم المالية المعقدة.
مناقشة التحديات الحديثة للجرائم المالية الرقمية وأساليب الاحتيال العابرة للحدود.
تعزيز الأمن الرقمي للأنظمة المالية وحماية المعاملات المالية الرقمية والمواطنين.
وضع إستراتيجيات مشتركة لتعزيز التعاون الدولي في التصدي للتهديدات المالية المعقدة.

ولم تقتصر أعمال القمة على النقاشات النظرية، بل شكلت منصة لتبادل التجارب والخبرات التقنية، وتسليط الضوء على ضرورة دمج السياسات الوطنية مع التعاون الدولي لضمان أمن مالي شامل ومستدام.
حجم الخسائر العالمية من الاحتيال المالي الرقمي
وتظهر الدراسات أن الخسائر العالمية الناتجة عن الاحتيال المالي الرقمي تصل إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا، حيث أكدت جمعية الاحتيال الدولية (ACFE) أن الشركات قد تفقد ما يقارب 5% من إيراداتها السنوية بسبب الاحتيال المالي بأنواعه المختلفة، بما في ذلك الاحتيال الإلكتروني والمالي الداخلي والخارجي.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن التحول الرقمي وسهولة العمليات المالية عبر الإنترنت جعل استهداف الأموال الرقمية أكثر سهولة وأكبر تكلفة على الأنظمة المالية العالمية.

كما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن غسل الأموال الناتج عن عمليات الاحتيال المالي المنظمة يقارب تريليونات الدولارات سنويًا، وهو ما يبرز حجم التحديات التي تواجهها الدول والمؤسسات المالية في حماية اقتصاداتها ومواطنيها.

وتدل هذه الأرقام على أن مكافحة الاحتيال المالي الرقمي لم تعد خيارًا بل ضرورة إستراتيجية تتطلب اعتماد حلول تقنية متقدمة، مثل التحليل التنبؤي والذكاء الاصطناعي، لتعقب ومنع العمليات الاحتيالية قبل وقوعها.
مشاركة سوريَة: خطوة إستراتيجية نحو الشراكة الدولية
ترأس وفد سوريَة في القمة العالمية لمكافحة الاحتيال حاكم مصرف سوريَة المركزي، عبد القادر الحصرية، بمشاركة مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الداخلية، العقيد عبد الرحيم جبارة.

وشارك الوفد في الجلسات الرسمية للقمة التي تناولت آليات التنسيق بين الدول وتطوير قدرات المؤسسات المالية لمكافحة الاحتيال المالي الرقمي.

وفي هذا الصدد، أكد الحصرية، في كلمة ألقاها خلال القمة، أن تزايد التحديات المرتبطة بمكافحة الاحتيال، يتطلب تعزيز التعاون الدولي وتكثيف الجهود المشتركة لحماية الأنظمة المالية والاقتصادية من المخاطر المتنامية.

‏وأوضح الحصرية أن عمليات الاحتيال لم تعد مجرد ممارسات فردية معزولة بل تحولت إلى شبكات منظمة وأنماط معقدة تستغل التطور التكنولوجي لإخفاء هويات مرتكبيها وتمويه مسارات الأموال غير المشروعة، مشيرًا إلى أن متحصلات الاحتيال تمثل أحد أبرز مصادر الأموال التي تُغسل وتُدمج لاحقًا في الأنظمة المالية.

وكان الحصرية قد قال في منشور على منصة إكس، في وقت سابق: “إن مشاركتنا في هذه القمة لها أهمية خاصة لهيئة مكافحة غسل الأموال في  سوريَة، لما توفره من فرصة لتبادل الخبرات، والاطلاع على أفضل الممارسات الدولية في مجال مكافحة الاحتيال، والجرائم المالية، بما يسهم في تطوير الأطر الرقابية، وتعزيز الثقة بالمنظومة المالية”.

بدوره، أكد ممثل وزارة الداخلية في الوفد السوري، العقيد عبد الرحيم جبارة، أن مشاركة سوريَة في قمة فيينا تهدف إلى تأكيد دورها كشريك دولي فاعل في مكافحة الاحتيال الرقمي، من خلال تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والعمل على وضع خطط استباقية لحماية البيانات والضحايا من الجرائم المالية الرقمية.

وأشار جبارة إلى أن الأمن الرقمي مسؤولية عالمية مشتركة، وأن سوريَة تسعى من خلال هذه القمة إلى تطوير الشراكات المؤسساتية والآليات القانونية التي تضمن ملاحقة مرتكبي جرائم الاحتيال واسترداد الحقوق وجبر الضرر للمتضررين.

وأوضح أن مكافحة الاحتيال ليست معركة دولة بمفردها، بل هي مسؤولية دولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود وتبادل المعلومات والخبرات، ولا سيما أن جرائم الاحتيال عابرة للحدود ولا تعترف بالجغرافيا.

وبين جبارة أن سوريَة تدرس بجدية الانضمام إلى المبادرات المطروحة في هذه القمة، بما يسهم في تعزيز حماية المواطنين وضمان أمنهم الرقمي والحد من أي محاولات للاستغلال أو الاحتيال
الأمن المالي الرقمي محور النقاشات
احتلت التكنولوجيا والتحول الرقمي مركز الصدارة في محاور القمة، حيث ركز المشاركون على أهمية تعزيز القدرات الوطنية وتطوير آليات حماية الأنظمة المالية،مع التركيز على:

تعزيز المؤسسات المالية الوطنية بما يمكنها من مواجهة التحديات المعقدة للأموال غير المشروعة.
تطبيق أفضل الممارسات الدولية لمكافحة غسل الأموال والجرائم المالية الرقمية.
حماية البيانات والمعاملات الرقمية لضمان استقرار الأنظمة المالية وثقة المواطنين.
تعزيز التعاون بين الدول والمؤسسات الدولية لضمان تبادل المعلومات بشكل آمن وفعال.

وتلك المحاور تؤكد أن التركيز لم يكن فقط على مواجهة الجرائم الفردية، بل على بناء منظومة مؤسسية متكاملة قادرة على حماية الاقتصاد الوطني والمواطنين من المخاطر الرقمية.
الاتجاهات العالمية لمكافحة الاحتيال المالي
استنادًا إلى جدول أعمال القمة الرسمي، يمكن تلخيص التوجهات العالمية التي خرجت بها القمة:

التنسيق الدولي المستدام: بناء شبكات تعاون بين الدول لضمان رصد الجرائم المالية العابرة للحدود.
تعزيز القدرات الوطنية: الاستثمار في التدريب وتطوير المؤسسات الوطنية لمواجهة الاحتيال المالي الرقمي.
التوافق مع المعايير الدولية: اعتماد السياسات والإجراءات التي تضمن الامتثال للمعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال والجرائم المالية.
الأمن الرقمي وحماية الأنظمة المالية: وضع خطط لتعزيز استقرار الأنظمة المالية الرقمية وحماية المواطنين من الاحتيال المالي.

وتظهر هذه الاتجاهات أهمية القمة في وضع خارطة طريق عالمية لمكافحة الاحتيال المالي الرقمي وتعزيز التعاون الدولي.
أهمية المشاركة السورية في السياق الدولي
تمثل مشاركة سوريَة في هذه القمة خطوة نوعية نحو تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاحتيال المالي الرقمي، وتعكس التزام الدولة بـ:

تطوير قدراتها الوطنية لمواجهة الجرائم المالية.
تعزيز أمان الأنظمة المالية الرقمية وحماية المواطنين.
التوافق مع أفضل المعايير الدولية لمكافحة الاحتيال المالي.
تأكيد دورها كشريك فاعل على الساحة الدولية في مواجهة الجرائم المالية العابرة للحدود.

وتضع هذه المشاركة سوريَة في موقع إستراتيجي ضمن جهود التعاون الدولي، مع التركيز على دمج السياسات الوطنية مع الخبرات العالمية لتحقيق أمن مالي مستدام .

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط