
بغداد أوبزرفر | تحليل سياسي
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تبحث الدول عن الخطاب الأكثر شعبوية، بل عن القيادة القادرة على اتخاذ القرار. وفي العراق، حيث تتقاطع التحديات الأمنية والاقتصادية والسيادية، يعود اسم نوري المالكي إلى الواجهة بوصفه رمزًا لمرحلة راهنت على فكرة واحدة واضحة: الدولة القوية.
ليس المقصود بالدولة القوية دولة الصوت المرتفع أو القبضة المنفلتة، بل الدولة التي تمتلك قرارها، وتحمي مؤسساتها، وتفرض القانون على الجميع دون استثناء. هذا هو جوهر الرؤية التي يطرحها المالكي اليوم، وهي رؤية تنبع من تجربة حكم طويلة في واحدة من أعقد مراحل تاريخ العراق الحديث.

خلال سنوات قيادته للحكومة، واجه العراق موجات إرهاب غير مسبوقة، وتفككًا مؤسساتيًا، وضغوطًا إقليمية ودولية متشابكة. ورغم قسوة تلك المرحلة، فإن أنصار مشروع الدولة يرون أن المالكي كان من القلائل الذين وضعوا هيبة الدولة في مقدمة الأولويات، وسعوا إلى حصر السلاح بيدها، وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة الوطنية في زمن كانت فيه الدولة مهددة بالتآكل.
اليوم، ومع تصاعد الدعوات إلى الإصلاح والاستقرار، تبدو فكرة “الرجل الأول” مرتبطة بالحاجة إلى قيادة تمتلك الخبرة والقدرة على إدارة التوازنات، لا المغامرة بها. المالكي لا يطرح نفسه بديلاً عن المؤسسات، بل كحامٍ لها، ولا يقدّم الدولة القوية كخصم للديمقراطية، بل كشرطٍ لنجاحها. فالديمقراطية، بلا دولة، تتحول إلى فوضى، وبلا قانون، تصبح مجرد شعارات.
اللافت في الخطاب الحالي للمالكي أنه يركّز على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة: قضاء مستقل، أمن مستقر، اقتصاد محمي من الهزات، وقرار سياسي لا يُدار من خارج الحدود. هذه ليست وعودًا فضفاضة، بل عناوين خبرها العراق عمليًا حين كانت الدولة قادرة على فرض حضورها في الميدان.
خصوم المالكي يثيرون مخاوف التكرار، لكن الواقع العراقي تغيّر، والوعي الشعبي بات أكثر نضجًا، والتحديات أكثر وضوحًا. ما يُطرح اليوم ليس عودة إلى الوراء، بل استدعاء لتجربة قيادية تُقرأ بميزان النتائج لا بعناوين الخصومة السياسية.
في النهاية، عودة “الرجل الأول” ليست مسألة شخص، بل خيار دولة. خيار يقول إن العراق لا يمكن أن يُدار بمنطق التسويات الهشّة، ولا أن يُحمى بنصف قرار. الدولة القوية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وطنية. وفي هذا السياق، يقدّم نوري المالكي نفسه بوصفه رجل المرحلة حين تحتاج الدولة إلى من يضعها أولًا… وقبل كل شيء.



