كيف تحولت بغداد إلى المدينة "السامة" في الشرق الأوسط؟.. خريطة السموم التي تخنق العاصمة- عاجل

+A
-A
بغداد أوبزرفر – بغداد
لم تعد السماء البنفسجية التي خيمت فوق بغداد صباح الثلاثاء حالة عابرة في سجل الأجواء العراقية، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإنذارات البيئية التي بدأت تتحول إلى ما يشبه الحالة الطبيعية في أكبر مدن البلاد. اللون البنفسجي في مؤشر جودة الهواء يعني أن ما يتنفسه سكان العاصمة غير صحي بدرجة عالية، خصوصاً للأطفال وكبار السن ومرضى القلب والجهاز التنفسي. لكن الأخطر أن هذا اللون لم يعد مفاجئاً، بل يأتي متسقاً مع بيانات سابقة أظهرت أن بغداد احتلت في فترات قريبة المرتبة الثانية عالمياً بين أكثر المدن تلوثاً بالهواء، بحسب منصة IQAir السويسرية، مع تسجيل نحو 150 نقطة ضمن فئة “غير الصحي”.

بيان وزارة البيئة الذي صدر في اليوم نفسه حاول أن يضع وصفاً عملياً لما يحدث فوق رؤوس ملايين السكان. الوزارة تحدثت صراحة عن رصد “بؤر حرق عدة في أطراف ومحيط بغداد”، بعضها في منطقة معسكر الرشيد، وأكدت أنها كثفت جهودها الرقابية منذ الفجر للحد من الانبعاثات الدخانية، ولوحت بإجراءات قانونية وقضائية بحق المخالفين. البيان ألمح أيضاً إلى نمط بات معروفاً في العاصمة: أنشطة صناعية وحرفية تستغل ساعات الليل لتنفيذ عمليات حرق غير قانونية، بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة، لتستيقظ المدينة في الصباح على غطاء كثيف من الدخان والروائح الخانقة.
في الموازاة، قدمت القراءة الفنية للمختصين صورة أكثر تفصيلاً عن نوعية الملوثات التي تختلط في هواء بغداد. الخبير في المناخ رياض القريشي أوضح في حديث لـ” بغداد أوبزرفر” أن مدن بغداد والموصل والبصرة تعد الأكثر تلوثاً على مستوى العراق، مشيراً إلى أن مستويات التلوث المرتفعة ترتبط بمجموعة مصادر، في مقدمتها عوادم محركات البنزين، وأجهزة التدفئة، والمداخن المنزلية والصناعية. القريشي ركز على أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد النيتروجين بوصفهما من أخطر الغازات الحاضرة في المشهد؛ الأول يتسبب بأعراض تشبه الإنفلونزا، تشمل الصداع والضعف العام والغثيان وضيق التنفس وقد يصل إلى فقدان الوعي في بعض الحالات، والثاني يفاقم السعال وتهيج الرئة ونوبات الربو، ويؤثر في القلب والأوعية الدموية. الخلاصة التي يطرحها الخبير أن هذه الملوثات لا تتوقف عند حدود الإزعاج، بل تمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة، لأنها ترتبط بخلايا الدم الحمراء وتحرم الجسم من الأوكسجين وتتحول عملياً إلى غازات سامة عند تراكمها.
المشهد الميداني لا يتوقف عند ما رصدته وزارة البيئة من بؤر حرق في أطراف العاصمة. مرصد “العراق الأخضر” تحدث في بيانات سابقة عن زيادة واضحة في تراكيز الغازات، خاصة ثاني أكسيد الكبريت في أجواء بغداد، وربط هذه الزيادة بنمط متكرر من الحرق العشوائي للنفايات داخل الأحياء وعلى حواف المدينة، وبنشاط معامل الطابوق والإسفلت والورش الصناعية التي تعمل بوقود رديء. هذه الجهات لا تتسبب في الدخان الكثيف فقط، بل تطلق مزيجاً من الغازات الكبريتية والهيدروكاربونية التي تؤثر في الجهاز التنفسي والعصبي على حد سواء.
في الخلفية، يتقاطع هذا المشهد مع ما وثقته “ بغداد أوبزرفر” خلال السنوات الماضية عن ظاهرة “الغيوم السوداء” التي كانت تغطي سماء العاصمة في مواسم معينة. لجنة الخدمات والإعمار النيابية تحدثت عن إزالة ما يقرب من 70% من تلك الغيوم بعد تنفيذ أكثر من 500 عملية تفتيش في ضواحي بغداد خلال عامين، استهدفت مواقع صهر ومعامل غير مرخصة ومكبات ومصادر انبعاث عشوائية. لكن الاعترافات البرلمانية والبيئية نفسها تشير إلى أن بعض هذه المواقع عاد إلى العمل لاحقاً، في ظل غياب متابعة ميدانية مستمرة، وهو ما يعكس مشكلة أعمق تتجاوز الحملات الظرفية إلى بنية الرقابة نفسها.
العامل الجوي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. وزارة البيئة تحدثت بوضوح عن ظاهرة الانعكاس الحراري التي ساهمت في احتجاز الملوثات قرب سطح الأرض، ما جعل سحب الدخان أكثر كثافة ووضوحاً. في مثل هذه الحالات، يعلق خليط الغازات فوق المدينة، وتتراجع القدرة الطبيعية للغلاف الجوي على تشتيتها. تقارير الأرصاد المحلية تشير إلى أن هذا النمط من الاستقرار الجوي بات يتكرر بشكل أكبر مع التغيرات المناخية التي تضرب المنطقة، ما يعني أن أي موجة انبعاثات كبيرة في هذه الفترات تتحول فوراً إلى أزمة نوعية في الهواء.
وراء الصورة اليومية، تظهر بنية أوسع لمصادر التلوث. دراسة صادرة عن مرصد العراق الأخضر أفادت بأن عوادم المركبات مسؤولة عن أكثر من 60% من ملوثات الهواء في بغداد، مع غياب منظومة فعالة للفحص الدوري وقدم جزء كبير من أسطول السيارات. الخبير البيئي أحمد الساعدي أوضح في تصريحات سابقة أن السيارات القديمة والمتهالكة تمثل المصدر الأبرز لأكاسيد الكربون والنيتروجين، وأن العاصمة تستقبل يومياً آلاف الأطنان من الغازات السامة في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة للمركبات المخالفة، وضعف إنفاذ معايير الانبعاثات. إلى جانب ذلك، تتقاطع الانبعاثات الصادرة عن المولدات الأهلية المنتشرة في كل الأحياء، والتي تعتمد في الغالب على وقود عالي الكبريت، مع انبعاثات الحرق العشوائي للنفايات والانبعاثات الصناعية من معامل الإسفلت والطابوق والورش الصغيرة.
هذا الواقع البيئي لم يعد ملفاً فنياً محضاً، بل يتداخل مع كلفة صحية واقتصادية متصاعدة. تقارير وزارة الصحة تشير إلى أن مستويات الجسيمات الدقيقة في هواء بغداد تتجاوز الحدود الآمنة بأكثر من عشرة أضعاف، وأن نسب الإصابة بالربو والتهابات القصبات المزمنة ارتفعت بنحو 30% خلال السنوات الأخيرة. معهد التخطيط الحضري قدّر الخسائر الاقتصادية المرتبطة بتلوث الهواء بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً، تشمل كلفة العلاج، وأيام العمل المهدورة، وتراجع الإنتاجية. اختصاصيون في الأمراض الصدرية ذهبوا إلى توصيف صادم مفاده أن استنشاق هواء بغداد يعادل تدخين علبة سجائر في الأسبوع بالنسبة لسكان بعض المناطق القريبة من الطرق المزدحمة ومصادر الانبعاثات.
من زاوية الاقتصاد الكلي، يحاول مستشار رئيس الوزراء للشأن الاقتصادي مظهر محمد صالح وضع المشكلة في إطار أوسع. صالح يؤكد أن البيئة النظيفة ليست ترفاً، بل “استثمار طويل الأمد في صحة المجتمع واقتصاده”، وأن كل دولار يُنفق على تحسين جودة الهواء يوفر أضعافه في كلفة العلاج والناتج المفقود. طرح الرجل يتحدث عن حاجة العراق إلى “استراتيجية اقتصادية خضراء” تتضمن إطلاق قروض ميسرة لاستبدال المركبات القديمة، ودعم مشاريع النقل الجماعي الكهربائي، والتوسع في الطاقة المتجددة، بما يجعل معالجة التلوث جزءاً من خطة النمو وليس عبئاً إضافياً على الموازنة.
في الجنوب والفرات الأوسط، تتخذ القضية بعداً إضافياً. النائب علي سعدون كان قد حذر من بقاء مشروع “الصناديق الخضراء” حبيس الأدراج. الفكرة تقوم على تخصيص صناديق تمويل محلية للمناطق المحيطة بالحقول النفطية، تستخدم في إنشاء أحزمة خضراء، وتحسين الخدمات الأساسية، وتمويل مراكز طبية لمعالجة الأمراض المرتبطة بالانبعاثات. الهدف المعلن هو تحويل جزء من عوائد النفط إلى أدوات تخفيف للكلفة البيئية والصحية على المجتمعات المحيطة. لكن، حتى الآن، لم يحصل المشروع على التمويل الكافي، ولم يتحول إلى واقع، فيما يعيش مئات الآلاف قرب الحقول تحت انبعاثات مستمرة تشكو منها التقارير الصحية والنيابية على حد سواء.
المشهد المؤسسي يعاني بدوره من ثغرات بنيوية. وزارة البيئة، بحسب مختصين تحدثوا لـ” بغداد أوبزرفر” في تقارير سابقة، ما زالت تعتمد على شبكة محدودة من محطات القياس وأجهزة رصد متقادمة، ولا توجد حتى الآن منظومة وطنية متكاملة لمراقبة جودة الهواء ونشر البيانات بشكل فوري للرأي العام. مشروع الفحص البيئي الإلزامي للمركبات متوقف منذ سنوات، والربط الإلكتروني بين الجهات المعنية بالانبعاثات (البيئة، النفط، البلديات، الداخلية، الصناعة) ما يزال في حدوده الدنيا. خبراء يقترحون إنشاء هيئة وطنية مستقلة لرصد التلوث ونشر النتائج بشفافية، معتبرين أن الحق في معرفة نوعية الهواء جزء من الحق في الحياة نفسه.
على المستوى الاجتماعي، يلفت علماء اجتماع إلى أن المشكلة ليست في السياسات وحدها، بل في الثقافة العامة التي تتسامح مع التلوث. حرق النفايات في الأزقة، والتعامل العادي مع الدخان المتصاعد من المولدات فوق الأسطح، والاستسلام لفكرة أن “هذا هو الواقع ولا يمكن تغييره”، كل ذلك يسهم في تكريس نمط يجعل من التلوث جزءاً من الحياة اليومية. هؤلاء يرون أن إدماج التربية البيئية في المناهج الدراسية، وتحويلها إلى سلوك جماعي يبدأ من المدرسة والبيت، بات شرطاً لأي تحسن مستدام في مؤشرات الهواء.
ما يجري فوق بغداد أوبزرفر ليس حدثاً منفصلاً عن مسار طويل، بل نتيجة تراكم لسنوات من غياب التخطيط البيئي الجاد، وضعف إنفاذ القوانين، وتأجيل الحلول الهيكلية. بيان وزارة البيئة عن بؤر الحرق في أطراف العاصمة، وتحذيرات الخبراء عن خطورة الغازات السامة، وتقارير المنصات الدولية عن تصدر بغداد مؤشرات التلوث، كلها حلقات في سلسلة واحدة تشير إلى أن أزمة الهواء في العراق لم تعد قابلة للمعالجة بحملات موسمية أو بيانات تحذير، بل تتطلب قراراً سياسياً واضحاً بتحويل البيئة إلى ملف أمني وصحي واقتصادي في آن واحد، بآليات قياس معلنة، ومحاسبة فعلية، وخطط تمويلية تخرجها من هامش “الإنذار” إلى قلب السياسات العامة.
وما لم تُبنَ سياسة بيئية متماسكة تقوم على الرقابة الواقعية والمحاسبة الجادة وتحديث منظومات القياس، فإن العاصمة ستبقى عرضة لموجات تلوث أشد قسوة، ومعها ستتزايد كلفة الصمت الصحي والاقتصادي. فالأجواء التي تخنق بغداد ليست حدثاً طارئاً بل مؤشرًا على اتجاه خطير يحتاج إلى مواجهة تتناسب مع حجمه قبل أن يصبح هواء المدينة عبئاً لا يمكن احتواؤه.
تقرير: محرر الشؤون السياسية والاقتصادية في بغداد أوبزرفر



