تكنولوجيا

الإعلام التقني العربي .. من يملك التأثير الحقيقي؟


يشهد الإعلام التقني في العالم العربي مرحلة إعادة تشكّل عميقة بين 2025 و2026؛ إذ يعيد الجمهور ترتيب ثقته بين المنصات المتخصصة القديمة والناشئة، في وقت تصعد فيه موجة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، وتزداد الحاجة إلى تغطية مهنية تفسر التكنولوجيا بدل الاكتفاء باستعراضها. وبينما يملأ «مؤثرو» شبكات التواصل الشاشات باستعراض الهواتف والأدوات، تبقى المنصات الإعلامية العربية المتخصصة في التقنية هي الفاعل الأكثر تأثيرًا في تشكيل المعرفة التقنية وصناعة الآراء لدى صانعي القرار والقطاعين الحكومي والخاص.
يحاول هذا التقرير رسم خريطة محدثة لواقع الإعلام التقني العربي، بعيدًا عن المؤثرين الأفراد، مع التركيز على المؤسسات والمنصات المتخصصة: من يقود المشهد فعلًا؟ ما نماذج العمل السائدة؟ كيف يتغير سلوك الجمهور؟ وما التحديات التي قد تعيد رسم المشهد خلال الأعوام الثلاثة المقبلة؟
تحول مفصلي بعد 2020: من الهواية إلى صناعة معرفة
بدأت البذور الأولى للإعلام التقني العربي منذ العقد الأول من الألفية، عبر منتديات ومواقع إخبارية صغيرة ركزت على الأخبار والترجمات السريعة، مع اعتماد شبه كامل على بيانات الشركات العالمية وتقاريرها الصحفية. في تلك المرحلة، ندر المحتوى التحليلي أو الاستقصائي، وغابت التغطيات المتعمقة للأسواق العربية نفسها.
مع انتشار الهواتف الذكية بين 2010 و2015، وانتقال الجمهور تدريجيًا من المنتديات إلى الشبكات الاجتماعية، واجهت منصات التقنية العربية تحديًا وجوديًا: كيف تحافظ على جمهورها في ظل مجانين «المراجعات السريعة» على يوتيوب وفيسبوك؟ كثير من المواقع لم يستطع التكيّف، فتوقف أو تقلص إلى مدونات شخصية، بينما استثمرت منصات أخرى في توسيع غرف الأخبار، والعلاقات مع الشركات، وإطلاق نسخ محسنة للهواتف المحمولة.
المنعطف الحقيقي جاء بعد 2020 مع تسارع التحول الرقمي في الحكومات العربية، وصعود موجة الذكاء الاصطناعي، وتوسع التجارة الإلكترونية، وتزايد حضور شركات كبرى مثل مايكروسوفت وآبل وإنفيديا في مشاريع المنطقة. منذ ذلك الحين تحول الإعلام التقني من مساحة هواة إلى عنصر ضمن منظومة أوسع تشمل السياسات الرقمية، وإستراتيجيات الأمن السيبراني، ومشاريع المدن الذكية، والاستثمار في الشركات الناشئة.
منذ 2024 على وجه التحديد، بدأت الحكومات العربية الكبرى تدرج «المحتوى التقني المتخصص» ضمن منظومة تمكين الاقتصاد الرقمي، عبر رعاية مؤتمرات تقنية، وإطلاق مبادرات لتعزيز المحتوى العربي المتخصص، ودعم منصات تركز على ريادة الأعمال التقنية والابتكار.
أرقام المشهد: من يقرأ ماذا؟ وكيف؟
لا توجد حتى مطلع 2026 قاعدة بيانات عربية موحدة ترصد أداء الإعلام التقني المتخصص بشكل كامل، لكن يمكن الاستناد إلى مؤشرات متفرقة وتقارير من شركات قياس عالمية وعربية لرسم صورة تقريبية:

حجم الجمهور التقني: تشير تقديرات شركات تسويق رقمية تعمل في المنطقة (2025) إلى أنّ الجمهور العربي الذي يتابع محتوى تقنيًا بشكل شبه يومي يتراوح بين خمسة عشر وعشرين مليون مستخدم، موزعين بين الأخبار، المراجعات، محتوى الألعاب، ومحتوى الأعمال التقنية.
هيمنة الهاتف المحمول: بيانات 2025 من تقارير إعلانات رقمية في الشرق الأوسط تظهر أنّ أكثر من سبعين إلى خمسة وسبعين في المئة من زيارات المواقع التقنية العربية تأتي من الهواتف الذكية، مع ارتفاع النسبة إلى أكثر من ثمانين في المئة في دول الخليج.
حصة اللغة العربية: على الرغم من النمو، تبقى نسبة المحتوى العربي في مجالات التقنية والبرمجة منخفضة مقارنة باللغات الكبرى. تقارير عالمية في 2024 قدّرت حصة العربية في المحتوى التقني بأقل من ثلاثة في المئة؛ ومع أنّ أرقام 2025-2026 غير متاحة بصورة دقيقة حتى الآن، فإن خبراء المحتوى يشيرون إلى نمو ملحوظ يتراوح بين عشرين وخمسين في المئة في حجم الإنتاج العربي سنويًا، من مستوى منخفض أساسًا.
نمو استهلاك الأخبار التقنية: شركات إعلانات رقمية في الخليج قدّرت في 2025 أنّ فئة «أخبار التقنية والهواتف والألعاب» ضمن المواقع العربية تشهد نموًا في الزيارات يتجاوز خمسة عشر في المئة سنويًا منذ 2022، متفوقة على فئات مثل «الأخبار العامة» و«المحتوى الترفيهي» في بعض الأسواق عالية الدخل.

من المهم الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام تقريبية وتعتمد على عينات معلنة من الشركات؛ إذ لا توجد حتى 2026 جهة إحصائية عربية مستقلة متخصصة حصريًا في قياس أداء الإعلام التقني.
من يقود المسيرة؟ خريطة اللاعبين الرئيسيين
يمكن تقسيم الإعلام التقني العربي المتخصص إلى أربع كتل رئيسية: منصات إخبارية متخصصة، منصات ريادة الأعمال والابتكار، منصات حكومية وشبه حكومية، ومنصات هجينة تجمع بين التقنية والاقتصاد أو الثقافة الرقمية.
أولًا: المواقع والمنصات الإخبارية التقنية المتخصصة
هذه الفئة تضم مواقع إخبارية رقمية تركز على نقل أخبار التقنية عالميًا وعربيًا، مع تحليلات، ومراجعات، وتقارير، وتغطية للفعاليات والمؤتمرات. كثير منها انطلق قبل أكثر من عقد، لكن نماذجه الاقتصادية تطورت في الأعوام الأخيرة لتشمل:

الإعلانات الرقمية التقليدية.
الشراكات مع الشركات التقنية الكبرى في تغطيات أو رعايات محتوى محددة.
إنتاج تقارير خاصة أو محتوى تحليلي للشركات والمؤسسات.
حضور قوي على منصات الفيديو والبودكاست لجذب شرائح جديدة.

تلعب هذه المنصات دورًا محوريًا في «ترجمة» ما يجري عالميًا إلى سياق عربي؛ فهي تغطي مثلًا إعلانات جوجل عن نماذج الذكاء الاصطناعي، أو ما تعلنه مايكروسوفت وآبل وإنفيديا، ولكنها تضعها في سياق أثرها على المستخدم والشركات العربية: من سيتأثر؟ ما الفرص؟ أين المخاطر التشريعية والأمنية؟
من السمات اللافتة في 2025-2026:

زيادة التركيز على الذكاء الاصطناعي: النصيب الأكبر من التغطيات المعمقة يتجه إلى نماذج اللغة الضخمة، وأتمتة الأعمال، وتقنيات توليد الصور والفيديو، وتأثيرها في سوق العمل والتعليم.
التداخل مع الاقتصاد: كثير من المواد التقنية بات يركّز على تقييم استثمارات الشركات، وصفقات الاستحواذ، وأثرها في الشركات الناشئة العربية.
تحول في نوعية الجمهور: لم يعد الجمهور حصرًا من «الهواة»؛ بل ازداد حضور المهندسين، والكوادر التقنية، ورواد الأعمال، وصناع القرار في الهيئات الحكومية، الذين يتابعون هذه المنصات بوصفها مصدرًا سريعًا لفهم التوجهات العالمية.

ثانيًا: منصات ريادة الأعمال والابتكار التقني
إلى جانب المواقع الإخبارية، برزت منصات تركز على ريادة الأعمال الرقمية، والاستثمار الجريء، والشركات الناشئة في مجالات البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية. تغطي هذه المنصات جولات التمويل، وتحلل سياسات الدعم الحكومية، وتقدم قصص نجاح وفشل مفصلة لرواد الأعمال.
هذه الفئة اكتسبت أهمية كبيرة بعد 2021 مع نمو الاستثمار الجريء في المنطقة، واستمرار الزخم حتى 2023، ثم مروره بمرحلة تصحيح في 2024-2025؛ الأمر الذي دفع هذه المنصات إلى زيادة المحتوى التحليلي عن استدامة نماذج الأعمال، وإدارة السيولة، والتوسع الإقليمي.
ثالثًا: المنصات الحكومية وشبه الحكومية
منذ 2022 بدأت وزارات الاتصالات والاقتصاد الرقمي في عدد من الدول العربية إطلاق منصات محتوى تقنية أو رعاية منصات قائمة، بهدف:

الترويج لبرامج التحول الرقمي الوطنية.
شرح التشريعات التقنية الجديدة (خصوصًا في مجالات حماية البيانات والذكاء الاصطناعي).
تغطية فعاليات رسمية مثل المؤتمرات والمعارض التقنية الدولية.

هذه المنصات لا تؤدي عادةً دورًا نقديًا؛ لكنها تسهم في تكوين «صورة رسمية» للمشهد التقني، وتوفر بيانات ومواد خام تعتمد عليها وسائل الإعلام المستقلة في تحليلاتها.
رابعًا: المنصات الهجينة (تقنية + اقتصاد + ثقافة رقمية)
بعض وسائل الإعلام الاقتصادية الكبرى في العالم العربي أطلقت أقسامًا متخصصة في التقنية والتحول الرقمي، مستهدفة جمهور المستثمرين ومديري الشركات والمهتمين بالاقتصاد الرقمي. تغطي هذه الأقسام أخبار شركات التقنية المدرجة في البورصات، وصفقات الاستحواذ، وتحليل أرباح عمالقة التقنية وتأثيرها في الأسواق العربية.
كما بدأت منصات الثقافة الرقمية في التركيز على قضايا الخصوصية، وخطاب الكراهية، وتأثير خوارزميات المنصات الاجتماعية في المجتمعات العربية، مما أدخل البعد السياسي والاجتماعي على التغطية التقنية.
من يصنع الفارق فعلًا؟ معايير التأثير في 2026
سؤال «من يقود المسيرة؟» لا تجيب عنه أعداد المتابعين وحدها؛ إذ تتيح شبكات التواصل لأي حساب أن يجمع مئات الآلاف من المتابعين استنادًا إلى محتوى ترفيهي أو إعلاني. لكن عندما نخرج من دائرة «المؤثرين الأفراد» ونركز على المنصات المتخصصة، تصبح معايير التأثير مختلفة:

عمق التغطية لا سرعتها فقط: المنصة المؤثرة تملك القدرة على إنتاج ملفات وتحقيقات وتقارير خاصة تتجاوز إعادة نشر البيانات الصحفية للشركات.
حضورها في غرف اتخاذ القرار: تقاس قوة بعض المنصات بعدد المرات التي يُستشهد فيها بتحليلاتها في تقارير حكومية، أو عروض شركات خاصة، أو دراسات أكاديمية.
قدرتها على تشكيل أجندة النقاش: المنصة المؤثرة لا تكتفي بملاحقة أخبار الشركات؛ بل تطرح أسئلة جديدة عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل، والتحول في التعليم، وغيرها.
الاستقلالية النسبية عن الضغوط التجارية: قدرة غرفة التحرير على الحفاظ على حد أدنى من المسافة النقدية مع المعلنين والشركاء تُعد عاملًا حاسمًا.

بهذه المعايير، يظهر أنّ المنصات الإخبارية المتخصصة في التقنية، ومنصات ريادة الأعمال، وأقسام التقنية في الصحافة الاقتصادية، تمثل اليوم اللاعبين الأكثر تأثيرًا في تشكيل «الوعي التقني الجاد» في العالم العربي، مقارنة بالمحتوى القصير الترفيهي على المنصات الاجتماعية.
صانع الفارق الحقيقي في هذه المعادلة هو نوع المحتوى: التقارير المعمقة، المقابلات مع صناع السياسات التقنية، تحليلات الاستحواذات والاندماجات، وتغطية تأثير التشريعات على الشركات والمستخدمين؛ هذه هي المواد التي تبني نفوذًا مستدامًا، حتى إذا لم تحصد أرقام مشاهدة فورية تضاهي المقاطع القصيرة.
تحديات بنيوية: التمويل، الكوادر، واللغة
مع النمو الواضح في الأهمية، يواجه الإعلام التقني العربي المتخصص ثلاث معضلات بنيوية رئيسية في 2025-2026:
أولًا: نموذج العمل والتمويل
تتراجع عوائد الإعلانات الرقمية التقليدية في المنطقة، خصوصًا مع سيطرة المنصات العالمية على حصة الأسد من سوق الإعلانات. تقارير إعلانية في الشرق الأوسط لعام 2025 تشير إلى أنّ أكثر من ستين في المئة من الإنفاق الإعلاني الرقمي يذهب إلى منصات عالمية كبرى (منصات البحث والشبكات الاجتماعية والفيديو)، بينما تتوزع النسبة المتبقية على آلاف المواقع العربية.
هذا يفرض على المنصات التقنية المتخصصة البحث عن نماذج بديلة، أبرزها:

المحتوى المأجور (Branded Content): إنتاج مواد تحريرية بالتعاون مع شركات تقنية، مع الحرص على الفصل الواضح بين الإعلان والمحتوى التحريري؛ ما يزال هذا المجال في طور التطور في العديد من المنصات.
الفعاليات والمؤتمرات: تنظيم قمم تقنية، وورش عمل، وندوات عبر الإنترنت، يمكن أن يشكل مصدر دخل مهمًا، لكنها تحتاج إلى استثمار في فرق تنظيمية وتسويق.
الخدمات الاستشارية والتحليلية: بعض غرف الأخبار التقنية بات يقدم تحليلات مخصصة وتقارير سوقية مأجورة للقطاعين العام والخاص.

حتى بداية 2026، لا تزال غالبية المنصات التقنية العربية تعتمد بشكل رئيس على مزيج من الإعلانات التقليدية ومشاريع المحتوى المأجور؛ مع محاولات متفرقة لتجربة الاشتراك المأجور في محتوى مميز، لكنها لم تتحول بعد إلى نموذج سائد.
ثانيًا: نقص الكوادر المتخصصة
الإعلام التقني يتطلب مزيجًا من مهارات الصحافة والفهم التقني والاقتصادي؛ وهي تركيبة نادرة نسبيًا في العالم العربي. يعترف كثير من رؤساء التحرير في مقابلات حديثة في 2025 بأنّ أصعب ما يواجههم هو إيجاد صحفيين يجيدون:

قراءة الأوراق البحثية التقنية.
فهم الأبعاد القانونية والتنظيمية للتقنيات الجديدة.
تبسيط المفاهيم المعقدة بلغة عربية سليمة وجذابة.

نتيجة لذلك، تميل التغطية في كثير من الأحيان إلى الترجمة الحرفية، أو الاكتفاء بتلخيص ما تنشره وكالات الأنباء العالمية، مع غياب واضح للصحافة الاستقصائية في الملفات التقنية، مثل تتبع الصفقات، أو فحص تأثير سياسات المنصات في المستخدمين العرب.
ثالثًا: تحدي اللغة والمصطلحات
ما يزال الجدل قائمًا حول تعريب المصطلحات التقنية أو الإبقاء عليها بالإنجليزية، وكيفية توحيدها بين الدول العربية. بين 2024 و2025، بدأت بعض المؤسسات التعليمية واللغوية العربية مبادرات لتوحيد المصطلحات في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، لكن تأثيرها في غرف الأخبار ما يزال محدودًا.
غياب معيار موحّد يظهر في اختلاف ترجمة مصطلحات أساسية مثل «Machine Learning» أو «Cloud Computing» أو «Tokenization»، مما يربك القارئ أحيانًا، ويصعب على محركات البحث تجميع المحتوى وتصنيفه.
التقنيات الجديدة تعيد تشكيل الإعلام التقني ذاته
المفارقة أنّ الإعلام الذي يغطي التكنولوجيا يخضع بدوره لتحولات عميقة بفعل التكنولوجيا نفسها، خصوصًا في 2025-2026:
الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار
دخلت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى صلب عمل غرف الأخبار التقنية العربية، بدرجات متفاوتة. أبرز الاستخدامات الحالية:

تلخيص التقارير الطويلة: خصوصًا تقارير أرباح الشركات العالمية، أو أوراق السياسات التقنية الحكومية.
اقتراح عناوين وصور توضيحية: مع بقاء القرار الأخير للمحرر البشري.
ترجمة أولية للمحتوى الأجنبي: ثم يراجعها المحررون لضبط المصطلحات والأسلوب.

حتى مطلع 2026، ما تزال معظم المنصات الجادة تتعامل بحذر مع الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى؛ إذ تدرك المخاطر المتعلقة بالدقة، والتحيز، والسرقات المعرفية. لذلك يتركز الاستخدام في المهام المساعدة، لا في صناعة المحتوى النهائي، مع اتساع النقاش الأخلاقي حول وضع إرشادات واضحة لذلك.
فيديو قصير وبودكاست طويل
في 2025، أصبحت المقاطع القصيرة (من ثلاثين إلى تسعين ثانية) جزءًا لا يتجزأ من إستراتيجية المنصات التقنية لنشر محتواها التحريري، خصوصًا على منصات الفيديو القصيرة. تستخدم غرف الأخبار هذه المقاطع لجذب الجمهور إلى تقاريرها الطويلة، أو لتقديم ملخصات سريعة عن أحداث تقنية مهمة.
في المقابل، شهدت المنطقة طفرة في البودكاست المتخصص في التقنية وريادة الأعمال بين 2023 و2025؛ إذ تذهب بعض التقديرات إلى وجود مئات البرامج الصوتية العربية التي تناقش التقنية والابتكار، مع زيادة ملحوظة في نسب الاستماع في الفئة العمرية من خمسة وعشرين إلى أربع وثلاثين سنة في الخليج ومصر.
المنصات التي نجحت في الجمع بين المقال التحليلي، والفيديو القصير، والبودكاست الطويل، تبدو اليوم الأكثر قدرة على بناء «علاقة مستدامة» مع جمهورها، بدل الاعتماد على زيارات عابرة من محركات البحث.
تحليلات البيانات وسلوك الجمهور
أدوات قياس وتحليل سلوك المستخدمين باتت عنصرًا حاسمًا في قرارات التحرير؛ إذ تراقب المنصات:

مدة بقاء القارئ على الصفحة.
الموضوعات ذات التفاعل الأعلى.
الدول والمدن الأكثر اهتمامًا بكل نوع من المحتوى.

بيانات 2025 تشير لدى عدد من المنصات إلى أنّ:

المقالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول في سوق العمل تحظى بأعلى وقت قراءة متوسط.
أخبار الهواتف الذكية والأجهزة ما تزال تحصد أكبر عدد من الزيارات، لكنها تسجل وقت قراءة أقل؛ ما يعكس طبيعتها السريعة.
المحتوى المتعلق بريادة الأعمال وتمويل الشركات الناشئة يحقق تفاعلًا مرتفعًا في دول الخليج ومصر والأردن، مقابل اهتمام أكبر في شمال إفريقيا بموضوعات التجارة الإلكترونية والأمن السيبراني.

تأثير الإعلام التقني في القرارات والسياسات
أثر الإعلام التقني لم يعد محصورًا في توجيه المستهلك لاختيار هاتف أو حاسوب؛ بل امتد إلى مستويات أعلى في السنوات الأخيرة:
أولًا: دعم قرارات الشراء المؤسسي
الشركات العربية، خصوصًا في قطاعات مثل البنوك، والاتصالات، والتعليم، والصحة، تعتمد على التقارير والتحليلات التقنية لمتابعة حلول البرمجيات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية. مسؤولو تقنية المعلومات يتابعون الإعلام التقني المتخصص لاستكشاف تجارب شبيهة في المنطقة، وتقييم مزايا المنتجات بعيدًا عن الخطاب التسويقي المباشر للشركات.
هذا الدور تعزّز بين 2022 و2025 مع توسع التحول إلى السحابة، ونقل أنظمة حيوية إلى بنى تحتية سحابية محلية أو عالمية؛ إذ احتاجت الشركات إلى مصادر عربية تشرح التفاصيل التقنية والقانونية المرتبطة بالتحول.
ثانيًا: التأثير في السياسات العامة
في عدد من الدول، بدأت الجهات الحكومية المعنية بالتحول الرقمي في الاستعانة بتقارير وتحليلات الصحافة التقنية، سواء لرصد اتجاهات السوق أو لقياس ردود فعل المستخدمين على تشريعات جديدة، مثل قوانين حماية البيانات، وتنظيم العملات الرقمية، وتشريعات الذكاء الاصطناعي.
شهدت الفترة بين 2023 و2025 حالات متكررة لتعديل أو تأجيل تطبيق بعض التنظيمات التقنية بعد موجات نقاش واسعة قادها خبراء ومختصون عبر وسائل الإعلام التقنية ومنصات الرأي في الصحافة العامة؛ ما يؤكد أنّ هذه المنصات باتت جزءًا من «البيئة الاستشارية غير الرسمية» للسياسات الرقمية.
ثالثًا: تشكيل الوعي المجتمعي
تلعب وسائل الإعلام التقنية المتخصصة دورًا متزايدًا في توعية الجمهور بقضايا خصوصية البيانات، والأمن الرقمي، وتضليل المعلومات، وأثر الخوارزميات في تشكيل الرأي العام. مع توسع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين 2024 و2025، ظهر محتوى توعوي عربي يشرح مخاطر التزييف العميق، وانتحال الهوية، واستخدام الصور والفيديوهات المزيفة في الابتزاز أو الدعاية.
في هذا الإطار، تقود المنصات التقنية المتخصصة «المستوى الثاني» من التوعية: بعد الرسائل العامة البسيطة التي تقدمها الجهات الرسمية، تأتي التغطيات المتعمقة لتشرح كيف تعمل خوارزميات التصنيف، وما الحدود الواقعية لما يمكن للذكاء الاصطناعي فعله، وما لا يستطيع فعله بالفعل.
إلى أين يتجه الإعلام التقني العربي خلال ثلاث سنوات؟
استنادًا إلى اتجاهات 2025 وبداية 2026، يمكن رسم عدد من السيناريوهات لما قد يحدث في الإعلام التقني العربي حتى 2028 تقريبًا:
1. مزيد من التخصص والعمق
من المتوقع أن تظهر منصات أكثر تخصصًا داخل المجال التقني نفسه، مثل منصات تركز حصريًا على الذكاء الاصطناعي، أو الأمن السيبراني، أو التقنية الصحية، أو التكنولوجيا المالية؛ مع تقديم محتوى بحثي وتحليلي على مستوى أعمق يستهدف خبراء وصناع قرار أكثر من الجمهور العام.
قد تتجه بعض المنصات الحالية إلى إنشاء وحدات داخلية متخصصة، أو إطلاق مواقع فرعية تغطي قطاعات تقنية بعينها.
2. اندماجات وشراكات إقليمية
نظرًا لارتفاع تكاليف الإنتاج والتحرير، قد نشهد مزيدًا من الشراكات والاندماجات بين منصات تقنية عربية في دول مختلفة، بهدف:

توحيد فرق التحرير والاستفادة من الخبرات.
زيادة القدرة التفاوضية مع المعلنين والشركاء العالميين.
توسيع الانتشار ليشمل الخليج والمشرق وشمال إفريقيا في آن واحد.

كما يُنتظر أن تتوسع الشراكات بين وسائل الإعلام التقنية والجامعات ومراكز الأبحاث، لإنتاج محتوى يعتمد على بيانات ودراسات ميدانية بدل التخمينات العامة.
3. صعود المحتوى التحليلي المأجور
مع نضج السوق، قد تبدأ منصات تقنية عربية في تقديم اشتراكات مأجورة للوصول إلى تقارير وتحليلات متقدمة (على غرار ما تفعله مؤسسات عالمية)، خصوصًا إذا استطاعت أن توفر قيمة مضافة حقيقية لصناع القرار في الحكومات والشركات.
نجاح هذا النموذج سيعتمد على القدرة على بناء ثقة متراكمة، والالتزام الصارم بالجودة والاستقلالية، وتقديم بيانات وقراءات لا يمكن الحصول عليها مجانًا بسهولة.
4. معايير عربية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام
مع توسع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى، ستبرز حاجة ملحة إلى مواثيق عربية تنظم:

شفافية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحرير الأخبار.
معايير التحقق من صحة المحتوى المولّد آليًا.
طرق حماية حقوق الملكية الفكرية للمصادر الأصلية.

قد تلعب المنصات التقنية المتخصصة دورًا قياديًا في صياغة هذه المواثيق، بالتعاون مع نقابات الصحفيين، والهيئات التنظيمية، والجامعات.
5. تنافس حاد مع المحتوى العالمي
مع تحسن إتقان اللغة الإنجليزية لدى جيل الشباب، وازدياد سهولة الوصول إلى المحتوى العالمي، ستواجه المنصات العربية تحديًا أكبر في إقناع المستخدم بالبقاء في الفضاء العربي. الحل لن يكون في «منافسة» المواقع العالمية على أخبار الأجهزة نفسها؛ بل في تقديم ما لا يستطيع المحتوى العالمي تقديمه: سياق عربي، قصص محلية، تحليل للسياسات الوطنية، وأمثلة واقعية من أسواق المنطقة.
خاتمة: من الهامش إلى قلب التحول الرقمي
الإعلام التقني العربي المتخصص انتقل في أقل من عقدين من موقع الهامش إلى قلب التحول الرقمي في المنطقة. صحيح أنّ المؤثرين الأفراد على شبكات التواصل يجذبون أعدادًا أكبر من المشاهدات السريعة لمراجعات الأجهزة ولمقاطع «فتح الصندوق»، لكن صناعة الوعي التقني الحقيقي تُبنى اليوم، في الأساس، داخل غرف الأخبار والمنصات المتخصصة التي تستثمر في الصحافة الجادة، واللغة السليمة، والتحليل العميق.
السنوات 2025-2026 تكشف مرحلة انتقالية: نماذج عمل تبحث عن الاستدامة، فرق تحريرية تتعلم التعايش مع الذكاء الاصطناعي، جمهور يتزايد وعيه بحاجة إلى فهم ما وراء العناوين التسويقية، وحكومات تدرك أن سياساتها الرقمية لن تُفهم ولن تُقبل دون وسائط إعلامية تقنية تتمتع بالمصداقية والتأثير.
من يقود المسيرة إذن؟ ليس كيانًا واحدًا، بل منظومة من المنصات المتخصصة، تتكامل فيها الأدوار بين الصحافة الإخبارية والتحليلية، ومنصات ريادة الأعمال، وأقسام التقنية في الصحافة الاقتصادية، والفعاليات والمؤتمرات. الفارق الحقيقي يصنعه اليوم من يملك القدرة على تحويل التقنية من «منتج» يُعرض على الرف إلى «معرفة» تسهم في رسم مستقبل الاقتصادات والمجتمعات العربية.